محمود محمود الغراب

20

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

لك ؟ ! فما ابتلى اللّه عباده إلا ليلجؤوا في رفع ذلك إليه ، ولا يلجؤوا في رفعه إلى غيره ، فإذا فعلوا ذلك كانوا من الصابرين وهو محبوب اللّه ، ومن أسمائه تعالى النعتية « الصبور » فما أحب إلا من رأى خلعته عليه ، ثم إن هنا سرا ، وأقامك فيه مقامه ، فإن الصبر لا يكون إلا على أذى ، وقد عرّفنا أن في خلقه من يؤذي اللّه ورسوله ، ونعتهم لنا لنعرفهم ، فندفع ذلك الأذى عنه تعالى بمقاتلتهم ، أو بتعليمهم إن كانوا جاهلين طالبين العلم ، وقد سمى نفسه صبورا ، وقد رفع إلينا ما أوذي به وعرفنا بهم ، لنذب عنه وندفع الأذى ، مع الاتصاف بالصبور ، لنعلم أنا إذا شكونا إليه ما نزل من البلاء ، وسألناه في رفعه عنا - وسؤالنا إياه - لا يزول عنا اسم الصبر ، فلا تزول عنا محبته ، كما لم يزل عنه اسم الصبور بتعريفه إيانا من آذاه ، حتى ندفع عنه ، فإنه ورد في الصحيح : « ليس أحد أصبر على أذى من اللّه » . ( ف ح 2 / 342 ) حبه سبحانه للشاكرين : وصف الحق نفسه في كتابه أنه يحب الشاكرين والشكر نعته فإنه شاكر عليم ، فما أحب من العبد إلا ما هو صفة له ونعت ، والشكر لا يكون إلا على النعم ، لا على البلاء كما يزعم بعضهم ممن لا علم له بالحقائق ، لأنه تعالى أبطن نعمته في نقمته ، ونقمته في نعمته ، فالتبس على من لا علم له بالحقائق - أي بحقائق الأمور - فتخيل أنه يشكر على البلاء وليس بصحيح ، كشارب الدواء المكروه وهو من جملة البلاء ، ولكن هو بلاء على من يهلك به ، وهو المرض الذي لأجله استعمله ، فالألم هو عدو هذا الدواء ، إياه يطلب ، ولكن لما قام البلاء بهذا المحل الواجد للألم ، ورد عليه المنازع الذي يريد إزالته من الوجود ، وهو الدواء ، فوجد المحل لذلك كراهة ، وعلم أن في طي ذلك المكروه نعمة لأنه المزيل للألم ، فشكر اللّه تعالى على ما فيه من النعمة ، وصبر على ما يكره من استعماله ، لعلمه بأنه طالب ذلك الألم حتى يزيله ، فما سعى إلا في راحة هذا المحل ، فتفطن لهذا ، فلهذا كان شاكرا ، فلما شكره على ما في هذا المكروه من النعمة الباطنة ، زاده نعمة أخرى ، وهي العافية ، وإزالة المرض وتصبره الدواء الكره عليه ، ولذلك قال : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ فزاده العافية ، وكذلك أيضا لما أوذي الحق ، وسعينا في إزالة ذلك المؤذي ، بأن آذيناه أو سسناه حتى رجع عن الأمر الذي كان يؤذي الحق به ، وأزال العبد هذا الأذى عن جناب الحق ، شكره اللّه